أوسترهيلد والإيتيرناوستا: قصة صمود في وجه الغزو والاضطهاد
- مقدمة إلى عالم الإيتيرناوستا الغامض
- النشأة والسياق التاريخي: ولادة أسطورة
- القصة والموضوعات: ما وراء الخيال العلمي
- إرث أوسترهيلد: الكفاح من أجل الذاكرة والعدالة
- التعديلات والتأثير: الإيتيرناوستا في عالمنا
- خاتمة: لماذا يظل الإيتيرناوستا مهمًا اليوم؟
أوسترهيلد والإيتيرناوستا هما وجهان لعملة واحدة في تاريخ الفن والثقافة في الأرجنتين، بل وفي أمريكا اللاتينية بأسرها. إنها قصة تتجاوز مجرد كونها قصة مصورة للخيال العلمي، لتلامس أعمق الجراح في تاريخ بلد عانى من ويلات الانقلابات العسكرية والاضطهاد السياسي. عندما بدأتُ البحث في هذه القصة للمرة الأولى، أذهلتني الطبقات المتعددة من المعاني التي تحملها، وكيف أنها لا تزال resonate مع القراء حتى اليوم.
يُعد “الإيتيرناوستا” (El Eternauta) أحد أكثر الأعمال المصورة الأرجنتينية شهرة وتأثيراً . تم إنشاء هذا العمل الكلاسيكي على يد الكاتب المبدع هيكتور جيرمان أوسترهيلد (Héctor Germán Oesterheld) والرسام فرانسيسكو سولانو لوبيز (Francisco Solano López)، ونُشر لأول مرة في شكل مسلسل في مجلة Hora Cero Semanal بين عامي 1957 و 1959 . ما يميز الإيتيرناوستا ليس فقط قصته المشوقة عن غزو فضائي، بل أيضاً ارتباطه الوثيق بالسياق السياسي والاجتماعي للأرجنتين في تلك الفترة وما تلاها.
النشأة والسياق التاريخي: ولادة أسطورة
وُلد هيكتور جيرمان أوسترهيلد في بوينس آيرس عام 1919، وسرعان ما أصبح اسماً لامعاً في عالم القصص المصورة الأرجنتينية . في خمسينيات القرن الماضي، أسس أوسترهيلد مع شقيقه خورخي دار النشر Editorial Frontera . كانت هذه الفترة تشهد ازدهاراً في صناعة القصص المصورة في الأرجنتين، وكان أوسترهيلد غزير الإنتاج، حيث كتب العديد من القصص لمجلات مختلفة .
جاءت فكرة “الإيتيرناوستا” في وقت كانت فيه الأرجنتين تمر بفترة من عدم الاستقرار السياسي . أدرك أوسترهيلد الإمكانات الكبيرة للقصص المصورة كوسيلة للتعبير، وقرر استخدام الخيال العلمي كإطار لتقديم قصة تعكس المخاوف والتحديات التي يواجهها المجتمع الأرجنتيني . نُشرت القصة لأول مرة في 4 سبتمبر 1957 في العدد الأول من مجلة Hora Cero .
كانت القصة في البداية عبارة عن سلسلة مصورة تنشر أسبوعياً، وتميزت برسومات سولانو لوبيز الواقعية . القصة الرئيسية تدور حول مجموعة من الناجين في بوينس آيرس بعد تساقط ثلج قاتل يقضي على معظم أشكال الحياة . يجد البطل، خوان سالفو (Juan Salvo)، نفسه مضطراً لقيادة مجموعة صغيرة من الناجين في صراع من أجل البقاء ضد قوى غامضة تتلاعب بالأحداث .
القصة والموضوعات: ما وراء الخيال العلمي
تبدأ قصة الإيتيرناوستا في ليلة هادئة في بوينس آيرس، حيث كان خوان سالفو يلعب الورق مع أصدقائه. فجأة، يتساقط ثلج غريب وقاتل يقضي على أي كائن حي يلامسه . يتحصن خوان وعائلته وأصدقاؤه داخل منزلهم، ويشاهدون من النافذة كيف يتحول العالم الخارجي إلى مقبرة جليدية .
مع مرور الوقت، يدركون أنهم يواجهون غزواً فضائياً منظماً. يضطر الناجون إلى ارتداء بدلات واقية مرتجلة للخروج والبحث عن الإمدادات والناجين الآخرين . في رحلتهم، يواجهون مخلوقات فضائية متنوعة، بعضها عدواني بشكل مباشر، وبعضها الآخر يبدو أنه تحت سيطرة قوة أعلى وأكثر شراً، تُعرف باسم “Ellos” (هم) .
ما يجعل “الإيتيرناوستا” فريداً هو قدرته على الجمع بين عناصر الخيال العلمي المثيرة والموضوعات العميقة والمعقدة. لم تكن القصة مجرد قصة عن غزو فضائي؛ لقد كانت استعارة قوية للواقع الأرجنتيني . الـ “Ellos” الذين يتلاعبون بالمخلوقات الأخرى عن بعد يمكن رؤيتهم كرمز للقوى الاستعمارية أو الأنظمة القمعية التي تسيطر على الأرجنتين من وراء الكواليس .
تتناول القصة أيضاً موضوعات مثل المقاومة والتضامن . يظهر خوان سالفو كبطل غير تقليدي؛ فهو ليس جندياً خارقاً، بل هو رجل عادي يجد نفسه في ظروف استثنائية . يبرز أهمية العمل الجماعي والاعتماد المتبادل بين الأفراد لمواجهة التحديات الهائلة. أذكر أنني قرأت تحليلاً يشير إلى أن تركيز أوسترهيلد على الشخصيات العادية التي تجتمع لمواجهة عدو مشترك كان رسالة مباشرة ضد الفردية وتشجيعاً على التكاتف المجتمعي.

This image is a fictional image generated by GlobalTrendHub.
في إصدار لاحق من القصة عام 1969 بالتعاون مع الرسام ألبرتو بريشيا (Alberto Breccia)، أصبحت النبرة السياسية أكثر وضوحاً . هذا الإصدار كان أكثر تجريبية في أسلوبه الفني وأكثر مباشرة في نقده السياسي، مما أثار جدلاً وأدى إلى توقف نشره قبل اكتماله .
إرث أوسترهيلد: الكفاح من أجل الذاكرة والعدالة
لا يمكن الحديث عن “الإيتيرناوستا” دون التطرق إلى المصير المأساوي لمبدعه، هيكتور جيرمان أوسترهيلد. في السبعينيات، ومع تصاعد القمع من قبل الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، أصبح أوسترهيلد أكثر انخراطاً في النشاط السياسي . انضمت بناته الأربع إلى مجموعة مونتونيروس (Montoneros) اليسارية، وتبعهن أوسترهيلد في دعمه لهذه الحركة .
في عام 1977، تم اختطاف أوسترهيلد من قبل قوات الأمن التابعة للديكتاتورية، ليصبح واحداً من آلاف “المختفين” خلال ما عُرف بـ “الحرب القذرة” . لم يُرَ أوسترهيلد مرة أخرى، ويُعتقد أنه قُتل في عام 1978 . قبل اختفائه، كانت بناته الأربع قد اختُطفن وقُتلن أيضاً، اثنتان منهن كانتا حوامل .
مصير أوسترهيلد وعائلته أضاف طبقة مأساوية أخرى إلى قصة “الإيتيرناوستا”. أصبح العمل رمزاً للمقاومة ضد الطغيان والاضطهاد، وشاهداً على الجرائم التي ارتكبتها الديكتاتورية العسكرية . القصة المصورة التي تحكي عن غزو خارجي أصبحت تعكس واقع الغزو الداخلي والقمع الذي عاشته الأرجنتين.
من المثير للتأمل كيف أن عمل فني خيالي أصبح مرتبطاً بشكل لا ينفصم بآلام ومعاناة حقيقية. إن “الإيتيرناوستا” ليس مجرد قصة؛ إنه جزء من الذاكرة الجماعية للأرجنتين، وتذكير دائم بأهمية الوقوف في وجه الظلم. نشاط مجموعات حقوق الإنسان مثل H.I.J.O.S. في البحث عن أحفاد أوسترهيلد الذين اختفوا مع بناتِه يسلط الضوء على أن جرح الديكتاتورية لا يزال مفتوحاً، وأن قصة أوسترهيلد والإيتيرناوستا لا تزال ذات صلة بحاضر الأرجنتين .

This image is a fictional image generated by GlobalTrendHub.
استمرار البحث عن المفقودين
في ظل الاهتمام المتجدد بـ “الإيتيرناوستا” بسبب مسلسل نتفليكس الجديد، قامت منظمة H.I.J.O.S. بتجديد حملة البحث عن أحفاد أوسترهيلد الذين اختفوا مع أمهاتهم . هذا يوضح كيف أن قصة “الإيتيرناوستا” لا تزال حية وتلهم الدعوة إلى العدالة والذاكرة في الأرجنتين . إنها ليست مجرد قصة من الماضي، بل هي جزء من النضال المستمر.
التعديلات والتأثير: الإيتيرناوستا في عالمنا
على مر السنين، حظي “الإيتيرناوستا” بالعديد من التعديلات والمحاولات لتحويله إلى وسائط أخرى، وإن كان الطريق إلى ذلك لم يكن سهلاً . على الرغم من مكانته الكلاسيكية، واجهت محاولات تحويله إلى أفلام أو مسلسلات صعوبات مختلفة، بما في ذلك مشاكل قانونية وفنية .
لكن في الآونة الأخيرة، شهد “الإيتيرناوستا” عودة قوية إلى الأضواء مع إنتاج نتفليكس لمسلسل تلفزيوني مقتبس عن القصة، بطولة الممثل الأرجنتيني الشهير ريكاردو دارين (Ricardo Darín) . هذا المسلسل، الذي بدأ عرضه في أبريل 2025، يَعِد بتقديم القصة الكلاسيكية لجمهور عالمي جديد .
تأثير “الإيتيرناوستا” يتجاوز حدود القصص المصورة. لقد أصبح العمل جزءاً من الثقافة الشعبية الأرجنتينية، ورمزاً للمقاومة والصمود . حتى أن شخصية الإيتيرناوستا استخدمت في حملات سياسية، حيث ظهر الرئيس الأرجنتيني السابق نيستور كيرشنر (Nestor Kirchner) في صورة تجمع بين وجهه وبدلة الإيتيرناوستا، في إشارة إلى الكفاح ضد الديكتاتورية . هذا يُظهر كيف أن رموز القصة المصورة قد تغلغلت في الوعي العام وأصبحت تعبر عن قضايا وطنية عميقة.
يعتبر “الإيتيرناوستا” أيضاً علامة فارقة في تاريخ القصص المصورة في أمريكا اللاتينية . يُنظر إليه على أنه أحد أوائل الأعمال التي قدمت محتوى جاداً وموجهاً للبالغين في هذا الوسيط . وقد ألهم العمل العديد من الكتاب والفنانين في المنطقة وخارجها .
خاتمة: لماذا يظل الإيتيرناوستا مهمًا اليوم؟
في الختام، يظل أوسترهيلد والإيتيرناوستا قصة مؤثرة ومعقدة تتجاوز حدود الزمان والمكان. إنها قصة عن الصمود في وجه الغزو، سواء كان فضائياً أو سياسياً. إنها تذكير بأهمية التضامن الإنساني في الأوقات العصيبة، وبأن الأبطال الحقيقيين قد يكونون مجرد أشخاص عاديين يدفعهم الظرف إلى القيام بأشياء غير عادية.
“الإيتيرناوستا” ليس مجرد عمل خيال علمي؛ إنه جزء حي من تاريخ الأرجنتين، ورمز للكفاح ضد الظلم، وشاهد على إرث مؤلم لكنه ملهم. من خلال قصته، ترك لنا هيكتور جيرمان أوسترهيلد إرثاً يدعونا إلى التفكير في معنى المقاومة، وقيمة الذاكرة، وأهمية عدم نسيان أولئك الذين اختفوا في ظروف غامضة. إن قصة أوسترهيلد والإيتيرناوستا هي قصة تستحق أن تُروى وتُقرأ وتُشاهد، لأنها في جوهرها قصة عن الروح الإنسانية وقدرتها على الصمود حتى في أحلك الظروف.